عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
93
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
اللّه ، وكذلك في النظر إلى القلب ، فهو لا يفقد القلب الذي ينظر إليه كل يوم كذا وكذا نظرة ، لكن تحت ذلك أسرار لا يمكن كشفها بغير هذا التنبيه ، فمن عرف فليلزم ، ومن ذهب إلى التأويل إنه لا بد أن يقع في نوع من التعطيل فافهم . واعلم أن البصر في الإنسان هو المدركة البصرية الناظرية من شحمة العين إلى الأشياء ، فهي إذا نظرت إلى الأشياء من محلها القلبي لا من شحمة العين كانت مسماة بالبصيرة ، وهي بعينها بنسبتها إلى اللّه تعالى بصره القديم ، وإذا كشف لك عن سرّ ذلك ولا يكشف إلا باللّه تعالى رأيت حقائق الأشياء على ما هي عليه ، ولم يحجب إذا عن بصرك شيء ، فافهم هذا السر العجيب الذي أشرت إليك به في هذه الكلمات ، وارفع عن عرش معانيها ذيول الستارات ، وردّ أمرك إلى اللّه تعالى ، وكن أنت بلا أنت ولا أنت ، بل يكون اللّه هو المدبر لك كيفما شاء ، أعني كما تقتضيه أوصافه والأسماء ، فارم بهذا القشر الساتر ، وكل اللباب الزاهر ، وافهم حقيقة « وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » « 1 » . الباب الثالث والعشرون : في الجمال اعلم أن جمال اللّه تعالى عبارة عن أوصافه العليا وأسمائه الحسنى ، هذا على العموم . وأما على الخصوص فصفة الرحمة وصفة العلم وصفة اللطف والنعم ، وصفة الجود والرزاقية والخلاقية وصفة النفع وأمثال ذلك كلها صفات جمال ، وثم صفات مشتركة لها وجه إلى الجمال ووجه إلى الجلال كاسمه الربّ ، فإنه باعتبار التربية والإنشاء اسم جمال ، وباعتبار الربوبية والقدرة اسم جلال ، ومثله اسمه اللّه ، واسمه الرحمن بخلاف اسمه الرحيم فإنه اسم جمال وقس على ذلك . واعلم أن جمال الحق سبحانه وتعالى وإن كان متنوعا فهو نوعان : النوع الأول معنوي ، وهو معاني الأسماء الحسنى والأوصاف العلا ، وهذا النوع مختص بشهود الحق إياه . والنوع الثاني : صوري ، وهو هذا العالم المطلق المعبر عنه بالمخلوقات وعلى تفاريعه وأنواعه ، فهو حسن مطلق إلهي ظهر في مجالي الإلهية سميت تلك المجالي بالخلق ، وهذه التسمية أيضا من جملة الحسن الإلهي ، فالقبيح من العالم كالمليح منه باعتبار كونه مجلي من مجالي الجمال الإلهي ، لا باعتبار تنوّع الجمال ، فإن من الحسن أيضا إبراز جنس القبيح على قبحه لحفظ مرتبته من الوجود ، كما أن
--> ( 1 ) آية ( 79 ) سورة الأنعام .